عاصم ابراهيم الكيالى الحسيني الشاذلى الدرقادي

343

مجموع لطيف أنسى في صيغ المولد النبي القدسى

فقالوا : هو يوم أغرق اللّه فيه فرعون ، ونجّى موسى . فنحن نصومه شكرا للَّه تعالى ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « نحن أولى بموسى منكم » . فيستفاد منه فعل الشكر على ما منّ به في يوم معين ، من إسداء نعمة ، أو دفع نقمة . ويعاد في نظير ذلك اليوم من كلّ سنة ، والشكر للَّه يحصل بأنواع العبادة ، كالسجود والصيام ، والصدقة ، والتلاوة . وأيّ نعمة أعظم من بروز هذا النبي - نبي الرحمة - في ذلك اليوم ، قال تعالى : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [ آل عمران : الآية 164 ] . وقال السيوطي : قد ظهر لي تخريجه على أصل آخر ، وهو ما أخرجه البيهقي ، عن أنس أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عقّ عن نفسه بعد النبوّة ، مع أنه قد ورد أن جدّه عبد المطلب عقّ عنه - في سابع ولادته - والعقيقة لا تعاد مرة ثانية ، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى اللّه عليه وسلم إظهار للشكر على إيجاد اللّه إياه رحمة للعالمين ، وتشريع لأمته . فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده صلى اللّه عليه وسلم ، وقال تعالى - مخاطبا نبيّه الكريم - : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [ هود : الآية 120 ] فإذا كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم الذي ملئ قلبه إيمانا محتاجا إلى تثبيت القلب ، بما يقصه اللّه عليه من أخبار من تقدمه من الرسل ، فيجد عزاء وسلوة بما يصيبه من قومه ، فنحن أرباب الضعف - من الإيمان - أولى بالتثبيت ؛ وأحوج منه عليه الصلاة والسلام ، لا سيما في هذا الزمان الذي بعد عنّا نور النبوّة ، فأصبحنا نتخبط في دياجير مظلمة من الجهل ، ولا حول ولا قوّة إلا باللَّه العلي العظيم . فتعمهم بركاته وخيراته ، لا سيما إذا كان على طريقة شرعية مرضية . فرحم اللّه امرأ أظهر السرور والابتهاج والفرح التّام بمولده الشريف في كل الليالي والأيام ، وخصوصا في مناسبة ذكرى مولده عليه الصلاة والسلام التي تتكرر في كل عام ، والتي يجتمع الناس فيها على حضور مولد سيد الأنام ، فيذكّرهم قارىء قصة المولد الشريف بسيرته وأخلاقه ، ويسرد لهم طرفا من أعماله وأحواله ، فيحصل لهم التأسي المشار إليه بقوله عز وجل : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : الآية 21 ] . وقد قال إمام القرّاء الحافظ شمس الدين الجزري في كتابه « عرف التعريف بالمولد الشريف » : رؤي أبو لهب بعد موته في النوم ، فقيل له : ما حالك ؟ فقال : في النار ، إلا أنه خفف عني كل يوم اثنين ، فأمصّ - من بين إصبعي هاتين - ماء ؛ بقدر هذا ، وأشار برأس إصبعيه ، وإن ذلك بإعتاقي ثويبة جاريتي عندما بشّرتني بولادة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وبإرضاعها له . رواه الإمام البخاري في صحيحه معلقا . فإذا كان أبو لهب الكافر - الذي نزل القرآن بذمّه - جوزي في هذا بفرحه ليلة مولد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فما حال المسلم الموجد من أمة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم الذي يعنى بنشر مولده ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته صلى اللّه عليه وسلم ، إننا لا نشك في أن الرجاء في اللّه أن يكون جزاؤه من اللّه